الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأما قوله : وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ فنفي لشبهة قولهم : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا [ هود : 27 ] ولذلك أعاد معه فعل القول ، لأنه إبطال دعوى أخرى ألصقوها به ، وتأكيده ب ( إنّ ) لأنه قول لا يقوله قائله إلا مؤكدا لشدة إنكاره لو ادعاه مدّع ، فلما نفاه نفى صيغة إثباته . ولمّا أراد إبطال قولهم : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] أبطله بطريقة التغليط لأنهم جعلوا ضعفهم وفقرهم سببا لانتفاء فضلهم ، فأبطله بأن ضعفهم ليس بحائل بينهم وبين الخير من اللّه إذ لا ارتباط بين الضعف في الأمور الدنيوية من فقر وقلة وبين الحرمان من نوال الكمالات النفسانية والدينية ، وأعاد معه فعل القول لأنه أراد من القول معنى غير المراد منه فيما قيل ، فالقول هنا كناية عن الاعتقاد لأن المرء إنما يقول ما يعتقد ، وهي تعريضية بالمخاطبين لأنهم يضمون ذلك ويقدرونه . والازدراء : افتعال من الزري وهو الاحتقار وإلصاق العيب ، فأصله : ازتراء ، قلبت تاء الافتعال دالا بعد الزاي كما قلبت في الازدياد . وإسناد الازدراء إلى الأعين وإنما هو من أفعال النفس مجاز عقلي لأن الأعين سبب الازدراء غالبا ، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة عند الناظر . ونظيره إسناد الفرق إلى الأعين في قول الأعشى : كذلك فافعل ما حييت إذا شتوا * وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق ونظيره قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] وإنما سحروا عقولهم ولكن الأعين ترى حركات السحرة فتؤثر رؤيتها على عقول المبصرين . وجيء في النفي بحرف لَنْ الدّالة على تأكيد نفي الفعل في المستقبل تعريضا بقومه لأنّهم جعلوا ضعف أتباعه نوح - عليه السّلام - وفقرهم دليلا على انتفاء الخير عنهم فاقتضى دوام ذلك ما داموا ضعفاء فقراء ، فلسان حالهم يقول : لن ينالوا خيرا ، فكان رده عليهم بأنه لا يقول : لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً . وجملة اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ تعليل لنفي أن يقول : لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً . ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف ، ومعنى اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ أن أمرهم موكول إلى ربهم الذي علم بما أودعه في نفوسهم من الخير والذي وفقهم إلى الإيمان ، أي فهو يعاملهم بما يعلم منهم . وتعليقه بالنفوس تنبيه لقومه على غلطهم في قولهم : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ [ هود : 27 ] بأنهم نظروا إلى الجانب الجثماني الدنيوي وجهلوا الفضائل